معالم في تزكية النفس -٢

معالم في تزكية النفس
تتمّة……

٤. مراقبة الله
لمّا سُئِل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ما تزكيةُ النفسِ ؟ قال: ” أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ عز وجل مَعَهُ حَيْثُ كَانَ ” (صحيح رواه الطبراني). أي أن الله معه بعلمه، ويراقبه أينما كان، فتحمله هذه المراقبة على اتّقاء المحارم. وبذلك تزكو نفسه.

أما من يطيع الله في الجلوة ويعصيه في الخلوة فإنه أودى بنفسه إلى الهلاك. رُوِيَ عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ” لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا “. قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ. قَالَ:” أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا “. (صحيح رواه ابن ماجه)

. ٥. اتّخاذ الجلساء الصالحين

الإنسان مخلوق اجتماعيّ، يؤثّر ويتأثر بمن حوله. قال صلى الله عليه وسلم: ” الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ” (حسن رواه أبو داود والترمذي). والجليس الصالح ينفعك في دنياك وأخرتك، قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
ومن خير الجلساء؟ روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ جُلَسَائِنَا خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ ذَكَّرَكُمْ بِاللهِ رُؤْيتُهُ، وَزَادَ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَذَكَّرَكُمْ بِالآخِرَةِ عَمَلُهُ” (رواه عبد بن حميد).

٦. تذكّر الموت والدّار الآخرة

قال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}. فمن تذكر أنه راجع إلى الله ويجازيه على الصغير والكبير والجلي والخفي، وجد في نفسه رغبة في طاعة الله وخشية من عصيانه.

وقال عن رسله الكرام: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} . قال مجاهد : أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم همّ غيرها ، وقال مالك بن دينار : نزع الله تعالى من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها. وهكذا النفوس الزكيّة، فإنها تؤثر الأخرة على الدنيا.

وقال صلى الله عليه وسلم: ” الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ، وَعَمِلَ لِمَا بعدَ المَوتِ ، والعَاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواهَا وَتَمنَّى عَلَى اللهِ ” (رواه الترمذي ، وَقالَ حديث حسن). فمحاسبة النفس وتطهيرها من أدرانها والعمل لحياة أبديّة بعد الموت دليل الكياسة، وحريّ للمؤمن أن يكون كيّسا فطنا.

سلسلة المحاضرات في تزكية النفس (5) لراجي عفو ربّه أرواني أمين سوفار الإندونيسي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *